وزراء يذرفون الدموع بعد مغادرتهم لكراسيهم الوزارية!
بين دموع الوداع ومرارة مغادرة المكاتب الفاخرة، تطرح لحظات تسليم السلط سؤالاً عميقاً حول طبيعة العلاقة التي تربط بعض المسؤولين بالمناصب: هل هي مسؤولية لخدمة الوطن والمواطنين، أم امتيازات يصعب التخلي عنها حين تدق ساعة الرحيل...!؟** في مشهد تختلط فيه مشاعر الوداع بحسابات السياسة، تكتسي مراسم تسليم السلط بين الوزراء في الحكومة الجديدة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري دلالات تتجاوز حدود البروتوكول الرسمي. فخلف المصافحات والابتسامات والكلمات المنمقة، تبرز لحظات إنسانية مؤثرة، يصل فيها بعض الوزراء إلى نهاية مسارهم الحكومي بدموع لا تخطئها العين، وكأن مغادرة المكاتب الوزارية ليست مجرد انتهاء لمهمة دستورية، بل فراق لعالم كامل من الامتيازات والمكانة والنفوذ. خمس سنوات من الجلوس خلف المكاتب الفاخرة، والتنقل في مواكب رسمية، والاستفادة من ظروف العمل الاستثنائية، واستقبال المسؤولين والوفود، والتمتع بهيبة المنصب وما يحيط به من مظاهر التقدير والاحترام. خمس سنوات عاش خلالها الوزراء تفاصيل حياة تختلف، في كثير من جوانبها، عن الحياة اليومية للمواطن البسيط الذي ينتظر دوره في المستشفى، ويكافح لتوفير مصاريف أسرته، ويواجه غلاء المعيشة والكازوال وتحديات الشغل والسكن والتعليم..... ولذلك، حين تحين لحظة المغادرة، لا يبدو المشهد مجرد انتقال من مسؤول إلى آخر، بل يصبح مناسبة للتأمل في معنى السلطة وحدود امتيازاتها، وفي قدرة المسؤول على تقبل نهاية مرحلة كان فيها محاطاً بالأضواء والاهتمام وأعين الصحافة والتلفزيون....، قبل أن يجد نفسه خارج دائرة القرار، بعيداً عن المكاتب المكيفة والأبواب التي كانت تُفتح لاستقباله، وعن هالة المنصب التي كانت تمنحه مكانة خاصة في المشهد العام. **فالمنصب، مهما علا شأنه، يظل مؤقتاً، أما خدمة الوطن فمسؤولية لا تنتهي بانتهاء الولاية.** والوزير الذي يدرك حقيقة المسؤولية يفترض أن يغادر مكتبه مرفوع الرأس، مطمئناً إلى أنه ترك وراءه أثراً إيجابياً في حياة المواطنين، لا أن يشعر بأن نهاية مهمته تعني خسارة عالم من الامتيازات التي ألفها طوال سنوات وجوده في الحكومة. ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي القول إن دموع الوداع ليست بالضرورة دليلاً على التعلق بالامتيازات أو النفوذ؛ فقد تكون تعبيراً صادقاً عن التأثر بانتهاء تجربة مهنية، أو عن الارتباط بفريق العمل، أو عن الإحساس بثقل المسؤولية التي انتهت.أو الندم على أنه لم يقدم شيئا الوطن والمواطنين ، خاصة عندما يستحضر لقاء الله ويوم الحساب ... لكن هذه اللحظات تظل فرصة مشروعة لطرح سؤال أكبر: ما الذي يبقى من المسؤول بعد مغادرته المنصب؟ هل تبقى حصيلة الإنجازات، وشهادات المواطنين، والقرارات التي حسّنت حياة الناس؟ أم لا يبقى سوى ذكريات المراسم الرسمية والمكاتب الواسعة ومظاهر التقدير التي يمنحها الموقع الوظيفي ، وصورته التي ستعلق كالعادة في حائط مدخل الوزارة إلى جانب من سبقوه في المسؤولية ، ومنهم من رحل إلى دار البقاء ؟ واليوم، يعود الوزراء المغادرون إلى حياتهم خارج أسوار السلطة، حيث تستعيد الحياة إيقاعها الطبيعي، وتصبح قيمة الإنسان مرتبطة بما قدمه، لا باللقب الذي يحمله أو المنصب الذي يشغله. وقد يحتفظ بعضهم، وفق الشروط القانونية الجاري بها العمل، بحقوق ومعاشات مرتبطة بصفاتهم السابقة، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن المسؤولية الحكومية ليست ملكية شخصية، ولا امتيازاً أبدياً، بل تكليف دستوري محدد المدة، غايته خدمة الصالح العام. وهنا تتجلى المفارقة المؤثرة: مواطنون يكدحون سنوات طويلة من أجل معاش محدود يضمن لهم الحد الأدنى من العيش الكريم، في مقابل مسؤولين قد يستفيد بعضهم من أنظمة تقاعد خاصة وفق القوانين المنظمة لها. وهي مفارقة تستدعي نقاشاً مجتمعياً هادئاً ومسؤولاً حول العدالة في أنظمة التقاعد، ومدى تناسب الامتيازات مع طبيعة المسؤوليات، من دون أحكام مسبقة أو تعميم على جميع الوزراء. **إن الأصل فضيلة، والتواضع شرف، وخدمة الناس أسمى من كل مظاهر الجاه.** فالكرسي لا يصنع قيمة الإنسان، والسيارة الرسمية لا تمنحه مكانة دائمة، والمكتب الفخم لا يضمن له الاحترام بعد مغادرته. وحده العمل الصادق يترك الأثر، ووحدها الإنجازات الحقيقية تجعل المسؤول يستحق أن يُذكر بخير حتى بعد سنوات من مغادرته السلطة. قد تنتهي الولاية الحكومية، وتُسلَّم المفاتيح، وتُطوى الملفات، وتتغير الأسماء على أبواب المكاتب، لكن ذاكرة المواطنين تظل مفتوحة على سؤال لا تجيب عنه الدموع ولا تحسمه مراسيم الوداع: ماذا قدمتم للناس خلال خمس سنوات من تدبير الشأن العام؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي يبقى بعد انطفاء أضواء السلطة؛ لأن المناصب زائلة، والامتيازات مرتبطة بالقوانين والصفات، أما قيمة المسؤول فتُقاس بما يتركه من أثر في حياة المواطنين. فالوزير الحقيقي لا يبكي لأن الكرسي غادره، بل يطمئن لأنه غادر الكرسي وقد أدى الأمانة.