الرئيسية | متابعات | لماذا لن يلتفت المغاربة لتخاريف إيغناسيو سيمبريرو الانتخابية؟

لماذا لن يلتفت المغاربة لتخاريف إيغناسيو سيمبريرو الانتخابية؟

في سياق دأب فيه بعض "المتخصصين" الإسبان في الشأن المغربي على إعادة تدوير السرديات الاستعمارية القديمة، خرج علينا إيغناسيو سيمبريرو (Ignacio Cembrero) بطرح تحليلي اتسم بالسطحية والاستعلاء، وهو يزعم خلال إحدى المحاضرات أن المغرب يعيش حالة من "القلق الداخلي" إزاء احتمال صعود حكومة ائتلافية تجمع الحزب الشعبي وحزب فوكس اليميني المتطرف عقب الانتخابات الإسبانية المرتقبة في 29 نوفمبر القادم. هذا الطرح لا يعكس فقط جهلا مقصودا بديناميكيات الدولة المغربية، بل يكشف عن عجز بنيوي لدى بعض النخب الإسبانية في التحرر من عقدة الوصاية، وفهم التحول الجذري الذي طرأ على موقع المغرب الإقليمي والدولي. انقلاب الأدوار: من يحتاج من؟ الافتراض السطحي بأن الرباط تترقب بخوف مزاج السياسة الحزبية في مدريد ينم عن قراءة معكوسة بالكامل للواقع. فالحقائق الموضوعية تؤكد أن إسبانيا هي الطرف الأكثر إحساسا بالحاجة الاستراتيجية للمغرب، وليس العكس. و يدرك العقل الاستراتيجي في مدريد قبل غيره أن المغرب يشكل الصمام الأول للاستقرار في الخاصرة الجنوبية لأوروبا. فالتعاون الأمني والاستخباراتي وثيق، وأي مساس بهذه الشراكة يعرض أمن أوروبا القومي عامة لمخاطر ، بدءا من مكافحة الإرهاب وصولا إلى تدبير ملف الهجرة. و تشير لغة الأرقام بوضوح إلى المكاسب الهائلة التي تحصدها إسبانيا من شراكتها مع المغرب، حيث تعد مدريد الشريك التجاري الأول للرباط، بينما يمثل السوق المغربي رئة اقتصادية حيوية للشركات الإسبانية المتعطشة للأسواق الواعدة. كما على الكثير من الإسبان أن يفهموا أن المغرب لم يعد ذلك الفاعل المحلي المرتبط ببوصلة عاصمة أوروبية واحدة، بل بات قوة إقليمية بنسيج تحالفات دولية واسعة ونافذة مع قوى عالمية كبرى، مما يمنحه هامش مناورة استراتيجي واسع وثقة عالية بالنفس. و الرهان على ابتزاز المغرب بورقة التغيرات الحكومية الداخلية في إسبانيا هو رهان خاسر وبائد. فالمغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، إنه ورش مفتوح من النمو المضطرد والتطور المهيكل: اللوجستيك والبنيات المينائية: طفرة كبرى تحققت في قطاع الموانئ والنقل الدولي، تجعل من الموانئ المغربية (وفي طليعتها طنجة المتوسط) قطبا تجاريا وبحريا عالميا لا غنى عنه في خطوط التجارة الدولية. الاقتصاد الأخضر: يمتلك المغرب مقومات استراتيجية هامة في قطاعات تأمين السلاسل الطاقية المستقبلية، مما يجعله شريكا اقتصاديا نديا وليس تابعا. السيادة الدبلوماسية: عقيدة الدبلوماسية المغربية واضحة وثابتة، شراكة بناءة قائمة على المنفعة المتبادلة، الاحترام المتبادل، والنية الصادقة، ومعيارها الأوحد هو صيانة المصالح العليا للوطن. مونديال 2030: رسالة تفوق وحضور دولي حين يحاول البعض حصر الأفق المستقبلي للعلاقات بين الجارين في زهد سياسي أو التقليل من الشأن المغربي، تأتي محطات كبرى مثل تنظيم كأس العالم 2030 لتعيد الأمور إلى نصابها. فالرباط ومدريد ولشبونة شركاء في هذا العرس الكوني على قدم المساواة. والملاعب والبنيات التحتية والرياضية الكبرى التي شيدها المغرب ويشيدها وفق أحدث المعايير الدولية لم تعد تقل شأنا عن نظيرتها الإسبانية بأي حال من الأحوال، بل إن الحضور الاعتباري والرياضي للمغرب على الساحتين القارية والدولية بات يفرض نفسه كحقيقة صلبة تتجاوز الحسابات الضيقة لبعض المحللين. وبالتالي، فإن على الباحث والصحافي سيمبريرو وغيره من الأصوات التي تستلهم ماضي الوصاية أن يعلموا جيدا أن إسبانيا ستكون هي الخاسر الأكبر في حال أقدم أي ائتلاف يميني مقبل على تقويض أو العبث بأسس هذه الشراكة الراسخة. المغرب لا يهتز بالتقلبات الظرفية للمشهد الحزبي الإسباني، بل يراقب الأمور من موقع القوة والاطمئنان، وهو على يقين أن المستقبل لن يبنى إلا على الوضوح، والندية الحقيقية، والاعتراف المتبادل بالسيادة والمصالح.